Connexion

تعليمية الخطاب الحجاجي - المفهوم والإجراء-

تعليمية الخطاب الحجاجي

-      المفهوم والإجراء-

 

                                                                           د. روقاب جميلة

                                                               جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم

مقدمة:

  تسعى التعليميّة إلى ترجمة القدرات والمهارات لدى المتعلّم إلى سلوكات لها علاقة وثيقة بمتطلبات المجتمع، مع إمكانية تقويمها وتعديلها، وتعكف اللسانيات- ولاسيما التطبيقية بالذات- باعتبارها المجال الأرحب للممارسة التعليميّة، على إيجاد أفضل التقنيات والمناهج؛ لتطوير العملية التعليميّة للغات المنطوق بها في مراحل التعليم.

ولمّا كانت النظرية التداولية أحدث المناهج اللسانياتية، كان من اللازم استثمارها في حقل الديداكتيكية، بغية تحقيق نقلة نوعيّة في سبيل تفعيل القدرات، واستثمار المكتسبات وتنميتها للمتعلمين.

وانطلاقا من هذا المضمار، تأتي تداولية الحجاج كونها نظرية تعالج وحدات اللغة باعتبارها أفعالا كلامية، تساعد المتعلّم على تحقيق أهدافه طالما أنّ تعلّم اللغة لا يقتصر على معرفة بنية الجمل فحسب، بل يتطلب استعمالها لآداء أغراض تواصليّة ينشدها.

وعليه: فما هو الحجاج؟ وما هي خصائصه؟ وكيف يتمّ استثماره كمقاربة بيداغوجية في تعليمية اللغة؟

1-             في مفهوم الحجاج:

أ‌-                لغة:

يعود الأصل اللغوي للجذر(ح ج ج) في تضاعيف المعاجم اللغوية على معانٍ أربعة، ورد ذكرها مفصلة في مقاييس اللغة، وهي:

-                   القصد: وكلّ قصد حج، ثمّ اختصّ بهذا الاسم القصد إلى البيت الحرام للنسك.

ومن الباب: المحجّةُ، وهي جادّة الطريق، وممكن أن تكون الحجّة مشتقة من هذا، لأنّها تُقصد، أو بها الحقّ المطلوب، يقال حاججتُ فلانا فحججته أي غلبته بالحجّة، وذلك الظّفر يكون عند الخصومة، والجمع حُججٌ، والمصدر الحِجاج.

-                   الحِجّةُ: وهي السّنة.

-                   الحَجاج: وهو العظم المستدير حول العين.

الحجْحجة:النكوص،يقال:حملوا علينا ثمّ حجحجوا"[1].

 

و جاء في لسان العرب لابن منظور":  يقال حاججته أحاجّة حجاجًا حتّى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها والحجّة البرهان وقيل: الحجَّة ما دافع به الخصم[2]، و"فلان خصمه محجوج"[3].

ويترتّب على السالف ذكره استناج أنّ لفظ (حجج) يدور حول أربعة معان:

-                   أوّلها: القصد وهي أصل المعنى.

-                   وثانيها: المخاصمة والمغالبة قصد الظّفر.

-                   وثالثها: الإحاطة والصلابة.

-                   ورابعها: النكوص والكفّ والتوقف والارتداع.

ويقابل هذه اللفظة في الفرنسية كلمة (Argumentation) التي تدل على معاني متقاربة أبرزها:  
- القيام باستعمال الحجج.
- مجموعة من الحجج التي تستهدف تحقيق نتيجة واحدة[4].

وتتطلب عملية الحجاج ثلاثة أركان أساسية، هي:

المُحاج: وهو صاحب الغلبة في الحجاج.

المحجوج: وهو المغلوب.

الحجج: التي تدور على ألسنة كلّ المتناظرين.

ب‌-            اصطلاحا:

لعلّ الدلالات الأصلية لمفهوم الحجاج الذي عليه مدار السبر والتكشيف والتوصيف، تفرّق بين دلالته في القرآن الكريم، ومستوى القرائن السياقية الأخرى، فمفهوم الحجاج في القرآن الكريم معبّر عنه بأشكال من العبارات والأساليب، التي تروم الحوار وتهدف إلى الإقناع بالبراهين والأدلّة العقليّة، والكونيّة والفطريّة، وقد جمع القرآن الكريم كل تلك الدلالات ضميمة جامعة هي: الحجّة البالغة[5].

كما تعددت تعاريف الحجاج (Argumentation) من حقل معرفي لآخر، وحسب العلوم التي يوظَف داخلها، أساسا أو عرضا، فهو يمثل تلك الخطوات التي يحاول بها الشخص أو الجماعة أن تقود المستمع إلى تبنّي موقف معيّن، وذلك بالاعتماد على تمثيلات ذهنيّة مجرّدة أو حسيّة ملموسة، أو على قضايا جازمة تهدف في الأساس إلى البرهنة على صلاحيّة رأي أو مشروعيته[6]، وبالتالي يمارسها مع الآخرين دفاعا عن أفكاره ومعتقداته، عارضا أو مفنّدا، محاورا أو مقنعا[7]، والحجاج بوصفه نمطا من أنماط الخطاب، يمكن تسميته بالخطاب الإقناعي الذي يعرفه بوتون فيليب بأنّه" نشاط إنساني، يتخذ أوضاعاً تواصليةً متعددةً، ووسائل منتوعة، ويهدف إلى إقناع شخص، أو مستمع أو جمهور ما، بتبنّي موقف ما، أو مشاركة في رأي ما"[8].

ويفرّق ديكرو بين معنيين للفظ الحجاج، المعنى العادي والمعنى الفنّي الاصطلاحي؛ فالنوع الأول هو طريقة عرض الحجج وتقديمها، ويستهدف التأثير في السامع، فيكون بذلك الخطاب ناجحا فعّالا، وهذا معيار تحقق سمة الحجاجيّة، غير أنّه غير كافٍ؛ إذ يجب ألاّ تُهمل طبيعة السامع، ومدى القدرة على استخدام التقنيات الحجاجيّة في الإقناع، في حين يدلّ المعنى الثاني على صنف مخصوص من العلاقات المودَعة في الخطاب والمدرجة في اللسان، وتكمن الخاصيّة الأساسية للعلاقة الحجاجية في كونها متدرجة وقابلة للقياس[9].

وليس بخفيّ على أحد، أنّ أهل الاختصاص قد أعطوا للخطاب الحجاجي بعداً تداوليّاً متميّزاً، لتصبح الغاية منه؛ جعل العقول تذعن لما يُطرح، وتقوية درجة الإذعان لدى السامعين بشكل يجعلهم مهيّئِين للقيام بذلك العمل المطلوب في اللحظة المناسبة[10]، بيد أنّ الأمر يصبح أكثر وضوحا عندما يكون السؤال الطروح هو:

ما هي وجوه التمايز والتداخل والتشابه بين الحجاج ومفردات أسرته الأفهومية؟

2-             الحجاج ومرادفاته الدلالية:

من المصطلحات المقارِبة دلاليّا للفظ الحجاج؛ البرهنة (Démonstration) أو الاستدلال المنطقي، فكلاهما يحمل مفهوما يختلف عن الآخر، فلفظة الحجاج لا تعني البرهنة على صدق قضية أو إثبات شيء ما، أو إظهار الطابع الصحيح لاستدلال ما من وجهة نظر منطقيّة[11]، وعليه فالخطاب الطبيعي ليس بالضرورة خطابا برهانيّا، فهو لا يقدم براهين أو أدلّة منطقية، ولا يقوم على مبادئ الاستنتاج المنطقي[12]، في حين يدل الاستدلال أو ما يصطلح عليه بـ (Raisonnement)، أنّ هناك الحجّة التي " تعتبر شيئا مختلفا تماما عن الاستدلال أوالبرهان "[13]، فضلا عن الإقناع والجدل والسّجال.

3-             المنهج الحجاجي:

أ‌-                تعريفه:

يتعارض المنهج الحجاجي في اللغة مع العديد من النظريات والتصوّرات الحجاجيّة الكلاسيكيّة، والتي تعتبره منتميا إلى البلاغة الكلاسيكية (أرسطو)، أو البلاغة الحديثة عند (برلمان وأولبريخت تيتيكا، وميشال ميير)، أو حتّى منتميا إلى المنطق الطبيعي لصاحبه (جان بليز غريز).

ويعدّ أوزفالد ديكرو أوّل من أسس لهذا المنهج منذ سنة 1973م، فهذا اللغوي الفرنسي اهتمّ بوضع نظرية لسانياتية تهتمّ بالوسائل اللغوية، وبإمكانات اللغات الطبيعيّة التي يتوفر عليها المتكلّم؛ وذلك قصد توجيه خطابه وجهة ما تمكنه من تحقيق بعض الأهداف الحجاجيّة، حيث أراد تبيان حقيقة أنّ اللغة تحمل بصفة ذاتية أو جوهريّة (Intrinsèque) وظيفة حجاجية، مرتكزا في هذا الأساس على تلك الفكرة السائدة التي مفاده أنّنا نتكلّم بعامّة قصد التأثير[14]؛ لأنّ الحجاج كفعل قولي" يفرض على المخاطب نمطاً معيّناً من النتائج باعتباره الاتجاه الوحيد الذي يمكن أن يسير فيه الحوار، والقيمة الحجاجيّة لقول ما هي نوع من الإلزام يتعلّق بالطريقة التي ينبغي أن يسلكها الخطاب بخصوص تناميه واستمراره"[15]؛ ذلك لأنّ الحجاج مؤسَّس على بنية الأقوال اللغويّة وعلى تسلسلها واشتغالها داخل الخطاب.

ولاغرو أنّ نظرية الحجاج في اللغة لم تنشأ من العدم؛ بل انبثقت من داخل نظرية تداوليّة أخرى لا تقلّ شأنا عنها هي " نظرية أفعال الكلام" La théorie des actes) locutionnaire )؛ وهذا الاتجاه التداولي كان يتزعمه اللغوي أوستين (Austin) وتلميذه سورل ( Searle)، ولقد قام ديكرو باقتفاء أثرهما في الدرس اللغوي الحديث؛ حينما قام بتطوير آراء وأفكار أوستين على وجه الخصوص وهو يقعّد لمنهج أو نظرية الحجاج.

ومما هو قمين الذكر أنّ أوستين[16] كان له تصوّر ثلاثي للفعل الكلامي يتضمن:

فعل القول- لازم فعل القول- قوّة فعل القول، ثمّ قدّم تصنيفا خماسيا لهذه الأفعال الكلامية، أمّا تلميذه سورل فقد كان له تصوّر رباعي للأفعال اللغوية؛ إذ فرّق بين الأفعال المباشرة والأفعال غير المباشرة، بينما ديكرو اقترح - هو الآخر في هذا الصدد - إضافة فعلين لغويين هما: فعل الاقتضاء وفعل الحجاج[17].

وبما أنّ نظرية أفعال الكلام عند أوستين وسورل كانت عرضة لصعوبات عديدة لعلّ أهمّها " عدم كفاية التصنيفات المقترحة للأفعال اللغويّة"، فقد قام ديكرو بإعادة تعريف مفهوم الإنجاز[18]، مع التمسك بفكرة الطابع المعرفي للغة وتوسيع مجال التداولية المدمجة.

ب‌-            أنواعه:

  يمكن حصر الخطاب الحجاجي في ثلاثة أنواع هي: الحجاج البلاغي، الحجاج المنطقي، والحجاج التداولي، وتختلف هذه الخطابات باختلاف أصولها وامتداداتها المعرفية والمنهجيَّة، لكن ذلك لا يمنع من تداخلها:

1- الحجاج البلاغي: وتعدّ البلاغة آلية من آليات الحجاج، وذلك لاعتمادها الاستمالة والتأثير عن طريق الحجاج بالصورة البيانية والأساليب الجمالية؛ أي إقناع المتلقي عن طريق إشباع فكره  ومشاعره معـاً حتَّى يتقبـلّ القضيـّة أو الفعل موضوع الخطاب، ويتميز الحجاج عند بيرلمان (Perleman) بخمسة ملامح رئيسية، هي:

1-               أن يتوجه إلى مستمع.

2-               أن يعبّر عنه بلغة طبيعيَّة.

3-               مسلماته لا تعدو أن تكون احتمالية.

4-               لا يفتقر تقدمه إلى ضرورة منطقية بمعنى الكلمة.

5-               ليست نتائجه ملزمة[19]، وبالتَّالي فالحجاج عبارة عن تصوُّر معيَّن لقراءة الواقع اعتمادا على بعض المعطيات الخاصَّة بكلّ من المحاجج والمقام الذي يتولد فيه هذا الخطاب، وهذه الخصائص والصُّور البلاغية المحورية التي تبنَّاها الخطاب الحجاجي ولا سيما الأدبي منه، لأنها تنشط الخطاب، بهدف تحقيق وظيفة إقناعية.
2-الحجاج المنطقي: إذ الحجاج له بُعدٌ جوهريّ في الفلسفة، وهو آلية وإجرائية من إجرائياتها، وتقاس صلاحية الحجاج الفلسفي بمعايير خارجية، منها: القوة والضعف، الكفاءة وعدمها، النجاح أو الفشل في الإقناع، وغايته: التأثير والتقبُّل.

3- الحجاج التداولي: ويبعث لفظ التداولية على استحضار " نظرية أفعال الكلام" كون الأفعال الكلامية غرضا رئيسا للتداولية[20]، ورصدها بتنوّعها وعلى اختلاف الأبعاد التداولية المتعدّدة المستويات التي يتيح تحققها إمكانية معرفة توجّه الخطاب الحجاجي التَّداوليّ، والإجابة عن الإشكاليات الجوهرية والأسئلة المهمَّة التي تحيط بعملية التَّخاطب (الشفهي أو الكتابي).
كما تعدّ الحوارية من أهم مستويات تجليّ البُعد التداوليّ للخطاب الحجاجيّ، وهي العلاقة التخاطبيَّة بين المُخَاطِب والمُخاطَب، والتي تتغيّر وتتنوَّع فيها الأداءات في ظاهرتي:
أ- التشخيص: ويتجسد في خاصّية تلفظية تتميّز بحدَّة العلاقة الخطابية مع الشريك.
ب - المقام: هو مفهوم تجريدي يدل على الموقف التواصليّ، وتلتقي فيه جميع العناصر الحجاجيّة من قدرات برهانية، وحقائق فعلية، وقرائن بلاغية، والمقام شرط تداولي بلاغي؛ لأنّه يُعنى بضرورة موافقة أفعال القول لمقتضى الحال والموقف الخاص به؛ وهذا ما يذهب إليه الجاحظ حينما يقول:"مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع"[21]، فالأمر يتعلق أساساً بإيضاح المعنى القائم في النّفس حتّى يدركه الآخر، وهذا انطلاقا من الوظيفة الأولى للغة، وهي التواصل وكشف الكامن في الصدور.
ج- خصائصه:  يتميّز الحجاج بعدّة خصائص، من ضمنها:

1-              الحجاج ظاهرة اجتماعية: فهو يضمّ عدّة أشخاص منتجين له أوّلا ومتقبلين له ثانيا.

2-              الحجاج وجود فكري فعلي: يتجه نحو الممارسة الآلية وتتحكم فيه معطيات المجابهة والمدافعة قدر الإمكان؛ لأنّه عملية تسعى إلى خلق التأثير في الآخرين.

3-              الحجاج فعل عقلي: لأنه يتضمن التبرير والتعليل، كما يستخدم البرهنة لصالح الفكرة التي يدافع عنها بطريقة لا تنمّ عن قوّة أو إكراه.

4-              الحجاج نشاط لساني: لا يتمّ إلاّ باللغة وداخلها سواء اعتبرت اللغة وسيلة أو هدفا، وسواء كانت لغة ثابتة(جملا ونصوصا) أو متغيّرة أقوال وتعابير[22].

يترتب على السالف ذكره، أنّ الحجاج ذو طابع اجتماعي يتّم بالطابع التأثيري،  تتنازعه الأفعال العقلية واللسانية، وتسود فيه الحركية والنشاط  ذهنيّا وبيولوجيّا، فهو بحق يؤسس مجالا تداوليّا.

4-  المنهج الحجاجي وتعليمية اللغة:

تتجلّى أشكال استفادة تعليم اللغة من اللسانيات في عدّة أوجه، تبرز في الأسئلة التالية:

-                  كيف يمكن الانتقال من المعرفة اللسانية ذات الطابع العلمي إلى المعرفة المدرسية ذات الطابع التعليمي؟

-                  كيف نكيّف محتويات المعرفة اللسانية مع الطرق التربوية وحاجيات المتعلم اللغوية؟

-                  كيف يمكن الاستفادة ديداكتيكيّا من مختلف النماذج اللسانية؟[23]

لذا فمن الضروري الاستفادة من اللسانيات التربوية لترقية تعلّم اللغة العربية، وهذا الأمر في غاية الصعوبة؛  ولاسيما في  ضوء التطوّرات التالية:

-                   تعدّد النظريات اللسانية واختلافها.

-                   التطور المستمر للنماذج اللسانية نتيجة انفتاح اللسانيات على مختلف العلوم.

وبالتالي يتساءل المهتمون: أيّة نظرية لسانية صالحة لتعليم اللغة؟

ومما لاشك فيه أنّ العملية التعلمية متشابكة الأطراف،تتداخل فيها عدة عناصر، يمكن توضيحها وفق هذه الخطاطة[24]:

 

 

الأهداف                          التعلم                          المحتوى

 

  لماذا؟                                 كيف؟                              ماذا؟

 
   

 

 

كيف نعلّم

بماذا؟                                      لمن؟                            بواسطة ماذا؟

 

           
           

 

 

البنية السوسيولوجيّة                   البنية السيكولوجية             الوسائل

       

فلتبليغ المتعلم مهارات وكفاءات تتماشى وقدراته النفسية، واحتياجاته الاجتماعية، لابد من إعطاء أهمية لكل عنصر من عناصر العملية التعليمية- التعلمية، وهنا وجب اعتماد المقاربة الوظيفية؛ والتي من شأنها تحقيق الكفاءة التواصلية للتلميذ في سياقات متعددة، نفسية واجتماعية وثقافية؛ ولهذا" تكون المرحلة المعرفية النهائية التي يصل إليها الطفل بعد استكمال تعلّمه للغة، هي قدرة لغوية تواصلية، لا تؤهله لإنتاج جمل نحوية فقط، بل كذلك لإنتاج هذه الجمل فيما يلائمها من سياقات الاستعمال"[25].

5-             النص الحجاجي:

يميّز المختصون بين عدّة أنماط للخطاب، ويقوم هذا التصنيف على معايير أهمّها:

-       المعيار الأوّل: غرض الخطاب.

-       المعيار الثاني: نوع المشاركة فيه.

-       المعيار الثالث: طريقة المشاركة.

-       المعيار الرابع: نوع قناة تمريره.

-       المعيار الخامس: وجهه[26].

                فباعتماد المعيار الأوّل يمكن تنميط الخطاب من حيث غرضه التواصلي المستهدف إلى خطاب سردي، وخطاب وصفي، وخطاب حجاجي، وخطاب تعليمي، وغيرها، أمّا من حيث نوع المشاركة، فيمكن أن يكون الخطاب حوار ثنائيّا، أو حوارا جماعيّا، أو مجرّدا (مونولوج)، ومن حيث طرق المشاركة، فقد تكون مباشرة بين متخاطبين متواجهين، أو غير مباشر(مكتوبا) أو شبه مباشر كالمهاتفة والبث الإذاعي أو التلفزي، ونوع القناة يحدّد الخطاب بكونه شفويّا أو مكتوبا، ومن حيث وجهه فإنّ الخطاب يمكن أن يكون موضوعيّا، لا يستدعي تدخل المتكلّم، أو خطابا ذاتيّا، يضمنه المتكلّم انفعالاته ووجهات نظره.

                وممّا سلف ذكره نستطيع القول أنّ الخطاب الحجاجي هو قرين التدليل والاستدلال والإقناع، وهي معطيات وليدة العقل، يشارك فيه عنصران على الأقلّ، أي الباث والمتلقي، وهما طرفا الحجاج، كما تتأرجح طريقته المعتمدة بين الحوار الإقناعي المباشر، وبين استمالة الطرف الآخر كتابيّا عن طريق حشد الشواهد والبراهين، وعليه يمكن القول أنّ الخطاب الحجاجي قد يرد شفويّا أو كتابيّا، وبخصوص وجه الخطاب فهو موضوعيّ؛ يسعى طرفا الحجاج – كلّ من موقعه- إلى إثبات أو تفنيد الموضوع  محلّ الجدل للتأثير في الآخر، وتغيير سلوكه؛ ولهذا "يبرز دور القالب المنطقي، كما هو متوقَّع، في الخطاب الحجاجي، الذي يقوم أساساً على إواليات الاستدلال"[27]، فالكلام الحجاجي هو في الحقيقة إحدى الوظائف التي تؤديها اللغة الطبيعية، التي هي نقيض اللغة العلمية المصنوعة والاصطلاحية؛ فكما أنّ اللغة الاصطلاحية غير مفيدة في الحجاج، كذلك اللغة الطبيعية غير مفيدة للاستعمال العلمي أو التقني؛ لأنّ هذا الأخير تنتفي معه ضرورة الحجاج، طالما أنّ الأمور تكون محسومةً بالقبول أو الرفض[28].

ويمكن القول أنّ مراكز الضبط في عالم النص بالنسبة للنصوص الجدلية (Argumentative) هي قضايا كاملة تنسب إليها قيم الصدق، وتتكرر فيها أنواع من الوصلات مثل: القيمة، الإفادة، والإدراك، والإرادة، والسبب، ويشتمل النص السطحي على جملة من عبارات تحديد القيمة[29].

6-             آلياته:

                يقوم المنهج الحجاجي على عدّة أدوات إجرائيّة يمكن توضيحها في:

الإخبار: وهو كلّ خبر يحتمل الصدق أو الكذب، وهو لفظ يدل على علم في نفس المخبر

التفسير: يحتاج الموضوع الذي يطرح إشكالية معيّنة كما هو الشأن في المناظرة أو الخطبة في انجازه إلى أساليب للتفسير تساهم في توضيح أبعاده و دلالته و تجعل المتكلم قادرا على الشرح و التوضيح لخصمه أو من يناظره لغرض الإقناع و أهم أساليبه: (التعريف، الوصف المقارنة و السرد).

الإقناع: وبواسطته تستخدم الحجج و البراهين للدلالة على صحة الموقف الذي يدافع عنه المتناظرون اعتمادا على أدلة ملموسة من الشواهد، وأخرى تعتمد على مبادئ منطقية، ومن وسائل الإقناع الوسائل اللغوية والوسائل المنطقية الدلالية، التي تؤدي وظيفة الانتقال مما هو مُسلَّم به إلى ما هو محل إشكال.

الربط بين الفقرات:  يكون بواسطة حروف التوكيد، وحروف العطف، خاصة الواو، وتوظيف عبارات معينة للنفي أو الإثبات، نحو: لا أريد، مما، لا شك فيه .
الربط بين الجمل: بحروف العطف وهي: أو، الواو، الفا، مع استخدام الأسماء الموصولة، مثل:الذي، التي، كما تتميز لغة النص الحجاجي بكونها لغةً تقريريةً، وموضوعية، تعبر عن الأفكار بوضوح ومباشرة، أمّا الأدلة و البراهين فهي: إمّا أدلة منطقية، أو أدلة واقعية، أو أدلة تاريخية، أو شواهد.

7-             نماذجه:

يتجسّد النص الحجاجي في برنامج اللغة العربية الموجّه لتلاميذ السنة الثالثة من التعليم الثانوي، من خلال نموذجين؛ يمثل الأوّل موضوع " الذهنية العلميّة تصحيح للمعرفة وتوسيع لها"، والثاني يعالج مسألة" العلم وبناء الحضارة".

 ويمكن تصميم الهيكل الفكري للمقال الحجاجي الأوّل وفق هذه الخطة:

المقدمة: وتتضمن النقاط التالية:

-                   المعرفة حاجة وضرورة إنسانية من أجل ضمان حياة بأقلّ التكاليف والخسائر.

-                   إلاّ أنّها تختلف بحسب عقول ومستويات الناس الفكرية والثقافيّة.

-                   المعرفة البسيطة والساذجة غير المؤسسة قد تهلك صاحبها.

-                   ضرورة تدخل المحصنات العقلية والوسائل الفكرية والعلم لإرشاد وتوجيه وفتح آفاق هذه المعرفة.

العرض: وفيه

-                   تحديد مفهوم المعرفة وتنوعها أفقيا(حسب المواضيع) وعموديّا(حسب مستويات الفئات الاجتماعية).

-                   مفهوم الذهنية العلمية وتحديد طبيعتها وأسس بنائها:

المصادر المعرفية- مبادئ التفكير العلمي- أدوات التفكير العلمي- التفكير المنهجي.

-                   محدودية ومساوئ المعرفة العاميّة والساذجة:

-                   عدم الإلمام بمختلف جوانب الموضوع المستهدف- عدم تحيين المعرفة- عدم بنائها على أسس علميّة (خاصة التجربة والتحقق من النتائج)- روح التعميم والسذاجة- النتائج الخاطئة انطلاقا من المقدمات الخاطئة، وما ينجرّ عنها من اتخاذ المواقف الخاطئة والضارّة.

-                   دور الذهنية العلميّة وضرورتها حيال المعرفة البسيطة:

فتح آفاق جديدة للمعرفة- بناؤها على أسس علمية دقيقة محيّنة- تقويمها وتصحيح أخطائها وإعادة توجيهها لتكون ناجعة وفعالة- تحمل صاحبها على التحلّي بالحيطة وروح الشك المنهجي من أجل التأكد من النتائج لاتخاذ المواقف والتدابير الصحيحة والنافعة.

الخاتمة: وتشمل على:

-       تلخيص عناصر العرض.

-       تأكيد صحة ما جاء في المقدمة.

-       الدعوة إلى اكتساب الذهنية العلميّة.

ملاحظة توجيهيّة: وهي جملة من الإرشادات المساعدة على كتابة المقال، ومن ضمنها:

-                   إيراد الأحكام مشفوعة بأمثلة وشواهد (على مستوى الأفراد و الجماعات والدول).

-                   الاستئناس بمراجع فلسفيّة وتاريخيّة.

-                   استعمال الروابط المنطقية بين الفقرات[30].      

8- أهدافه:

من جملة ما يسعى إليه التعليم في المرحلتين الإعدادية والثانوية هو تحقيق عدّة أهداف لعل أبرزها:

- اللغة تعبير عن المعاني والأفكار.

- التمييز بين الأفكار الجوهرية والعرضيّة، وإصدار الأحكام النقدية على المقروء، وتوظيفها.

- امتلاك القدرة على المحادثة والكتابة بلغة سليمة، وفي مستوى ملائم للمتعلّم.

- إيصال المتعلّم إلى التفكير الصحيح بوضوح، عن طريق البحث والتدوين، وجمع الحقائق وتنسيقها.

- التمكن من الإقناع وعرض الحقائق عرضا واضحا.

القدرة على الإسهام في النشاط اللغوي بألوانه المتعددة[31].

واللافت للنظر أنّ النص الحجاجي الذي تمّ التركيز عليه في انتقاء النصوص الأدبية والتواصلية في المرحلة الثانوية جاء تماشيا مع توظيف المقاربة بالكفاءات، والتي تسعى إلى وضع مبادئ تربوية توافق الحاجات الفيزيولوجية والوجدانية والعقلية للمتعلمين، بهدف تنميتها تنمية متسقة ومتزنة؛ بحيث لا مجال للاهتمام بالحاجات المستقلّة عن بعضها، ولذا فمن الطبيعي أن يجسّد اختيار النصّ الحجاجي عدّة غايات من ضمنها:

-                   "غرس نزعة عقلية في سلوك المتعلمين وفي طريقة تفكيرهم

-                   النص الحجاجي يقرّب المتعلمين من أسباب العقل- في سياق بيداغوجي- فيتدربون على الوصول إلى قوّة الإصابة في الحكم، فيسمو تفكيرهم ويرقى سلوكهم فيبتعدون عن السلبية والحدس والتخمين والانسياق وراء تيارات جارفة دون تبصر ولا تمعّن"[32].

وعليه فمكتسبات النحو والصرف والبلاغة كلّها مكتسبات يوظّفها المتعلّم لاكتشاف ما في النصّ الأدبي من كنوز، وفي عالمه المعقّد من كوامن للمعاني والأفكار.

خاتمة:

وصفوة القول، أنّ تعليم اللغة يتطلّب توظيف المناهج الكفيلة بتحقيق المتعلّم لها في الواقع، ولهذا يعدّ المنهج الحجاجي أفضل تجسيد لملكة اللغة؛ إذ لم تعد هذه الأخيرة قواعد جافّة ترسّخ في الأذهان، بل أضحت أفعالا كلاميّة منجزة، بواسطتها يتمّ استخدام اللغة وفق السياقات المختلفة تماشيا مع أيّ موقف تواصليّ، والحاصل هو تمكين المتعلّم من استثمار القدرات التي تؤهّله لاكتساب اللغة واستعمالها وتوظيفها شفويّا وكتابيّا في شتّى مجالات الحياة.

 

 



1-      ابن فارس،  معجم مقاييس اللغة، ج2، ص:29-31.

مادّة (حجج)، ص:570. 2- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، د ط، 1992م،

-  الزمخشري، أساس البلاغة، ص:72.[3]

[4] - Petit Robert, Dictionnaire de la langue Français, 1er rédaction, Paris, 1990, p : 99.

5- ينظر: لمهابة محفوظ ميارة، مفهوم الحجاج في القرآن الكريم، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد 81، ج:3، ص:532.

[6]-  ينظر: فيليب بلانشيه، التداولية من أوستين إلى غوفمان، ترجمة: صابر الحباشة، دار الحوار، اللاذقية، سورية، ط:1، 2007م، ص:82 وما بعدها.

[7]-  ينظر: فيليب بروتون وجيل جوتييه، تاريخ نظريات الحجاج، ترجمة: محمد صالح ناحي الغامدي، مركز النشر الجامعي، جامعة الملك عبد العزيز، جدّة،  ط:1، 1432هـ- 2011م، ص:13.

[8] - Voir : Philippe Breton : L’argumentation dans la communication, Edition du CASBAH, Alger, Janvier 1998, p :3.

9- ينظر: صابر الحباشة، التداولية والحجاج: مداخل ونصوص، دار صفحات للدراسات والنشر، ط:1، 2008م، ص:21.

10- ينظر: شكري المبخوت، نظرية الحجاج في اللغة ، ضمن كتاب: أهمّ نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم،

 فريق بحث البلاغة والحجاج، إشراف: حمادي صمود، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 1998م، ص:352.

[11]- ينظر: أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج، العمدة في الطبع، الدار البيضاء، ط:1، 1426هـ- 2006م، ص:15.

[12]- Voir :Dudrot O, Les échèles argumentatives, Minuit, Paris, 1980, P :10-11.

- فيليب بروتون وجيل جوتييه، تاريخ نظريات الحجاج، ترجمة: محمد صالح ناحي الغامدي، ص:13. [13]

[14]- ينظر: محمد مجدي الجزيري، المتشابهات الفلسفية لفلسفة الفعل عند فتجنشتين، دار آتون للتوزيع، د ت، 1986م، ص: 63.

[15]- Voir : Ducrot O, note sur l’argumentation et l’acte d’argumenter, cahiers de  linguistique  Françaises,  n0 : 4, Genève,1982, P : 86 .

16- رائد المدرسة اللسانياتية التداولية بدرجاتها الثلاث، ومنها نظرية أفعال الكلام، وهو صاحب عدّة مؤلفات في هذا المقام أشهرها: كيف نصنع الأشياء بالكلمات؟(How to do things with words)، و"عندما يعني القول الفعل" (Quand dire c’est faire).

17- ينظر: فرانسواز أرمينيكو، المقاربة التداولية، ترجمة: سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، الرباط، د.ت، 1986م، ص: 62-63.

[18]- ينظر: جان سيرفوني، الملفوظية، ترجمة: قاسم المقداد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998م، ص:113.

19- ينظر: محمد سالم ولد محمد الأمين، مفهوم الحجاج وتطوره في البلاغة المعاصرة، مجلة عالم الفكر، العدد 2، يناير-مارس 2000، ص:61.

20- ينظر: مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط:1، 2005م، ص: 40 وما بعدها.

[21]- الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: درويش جويدي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، د ط، 2003م، ج:1، ص: 56.

22- ينظر:  بنعيسى أزاييط، مداخلات لسانيّة: مناهج ونماذج، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، سلسلة دراسات وأبحاث رقم: 28، 2008م، ص:79-80.

23- علي آيت أوشان، اللسانيات والبيداغوجيا، نموذج النحو الوظيفي- الأسس المعرفية والديداكتيكية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط:1، 1998م، ص: 21-22.

[24]- ينظر: علي آيت أوشان، اللسانيات والبيداغوجيا، نموذج النحو الوظيفي- من المعرفة العلمية إلى المعرفة المدرسية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط:1، 2005م، ص:76.

[25]- علي آيت أوشان، اللسانيات والبيداغوجيا، نموذج النحو الوظيفي- الأسس المعرفية والديداكتيكية، ص:42.

26- ينظر: أحمد المتوكل، قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط، د ط، 2001م، ص:20.

27- المرجع نفسه، ص:266.

28- ينظر: محمد الولي، مدخل إلى الحجاج: أفلاطون وأرسطو وشايم بيرلمان، مجلة عالم الفكر، المجلد 40، العدد 2، أكتوبر- ديسمبر 2011م، ص:13-14.

[29]- ينظر: روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة: تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط:1، 1418هـ- 1998م، ص:415-416.

[30]- ينظر: اللغة العربية وآدابها للسنة الثالثة من التعليم الثانوي، تنسيق وإشراف: مريبعي الشريف، تأليف: حراجي سعيدي وآخرون، ط:1، 2007م- 2008م، ص:93-94.

[31]- ينظر: صالح بلعيد، دروس في اللسانيات التطبيقية، دار هومه للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2000م، ص:106-107.

[32]- ينظر: المشوّق في الأدب والنصوص والمطالعة الموجهة، السنة الأولى من التعليم الثانوي: جذع مشترك علوم وتكنولوجيا، إشراف: محمد خيط، وزارة التربية الوطنية، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، ط:1، 2005-2006 م، المقدمة.